recent
جديد المشاركات

المحكمة العليا في اليمن

تتربع المحكمة العليا على قمة الهرم القضائي في الجمهورية اليمنية باعتبارها أعلى هيئة قضائية تضمن وحدة تطبيق القوانين وتفسيرها، وحراسة المشروعية الدستورية والتشريعية في الدولة. ونظراً للمكانة السيادية الرفيعة التي تتمتع بها هذه المحكمة، فقد أفرد لها المشرع اليمني فصلاً كاملاً ومحكماً في قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته بالمواد من (12) إلى (21)، مرسياً من خلالها القواعد الآمرة التي تضبط تشكيلها، وتحدد دوائرها، وترسم اختصاصاتها الحصرية كمعيار مطلق لا يجوز مخالفته أو الالتواء عليه من قِبل أي جهة قضائية أو إدارية في البلاد.
وتتكامل هذه النصوص القانونية لتعزل المحكمة العليا عن الخوض في موضوعات النزاع وفحص البينات العفوية، لتجعل منها محكمة قانون ورقابة نظامية عليا تحاكم الأحكام القضائية ذاتها وتراقب مدى التزام قضاة محاكم الاستئناف والابتدائية بالنظام العام والشرع الإسلامي. في هذه الدراسة الأكاديمية والميدانية الممنهجة، نفند بالبناء النصي الصارم واللفظي القاطع أحكام وتشكيل المحكمة العليا، ودوائرها الثمان المتخصصة، ونظام انعقاد هيئاتها العامة والخاصة حصرًا بموجب نصوص قانون السلطة القضائية دون زيادة أو نقصان.

1. مقر المحكمة العليا وتأليفها الهيكلي في القانون

حدد قانون السلطة القضائية البنية الأساسية والمقر السيادي للمحكمة، واشترط رتباً نوعية للقضاة الذين يتولون منصب العضوية فيها:

أ. المقر السيادي والتشكيل البشري (المادة 12)

تنص المادة (12) من قانون السلطة القضائية صراحة على أن: «يكون مقر المحكمة العليا العاصمة صنعاء». وتؤلف المحكمة الهرمية بموجب ذات النص من:
  • رئيس للمحكمة العليا.
  • نائب أو أكثر لرئيس المحكمة.
  • عدد كافٍ من القضاة النخبة المتبحرين (أعضاء المحكمة) الذين يتم تعيينهم بقرار جمهوري بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى.

ب. شروط التعيين ورتبة الأقدمية القضائية

يشترط القانون فيمن يُعين عضواً بالمحكمة العليا رتباً قضائية وتوثيقية بالغة الصرامة؛ فلا يجوز التعيين فيها إلا من بين قضاة محاكم الاستئناف الذين قضوا مدداً زمنية طويلة في العمل القضائي الفعلي واكتسبوا دراية مجهرية بالصياغة وتكييف الخصومات، أو من بين أساتذة القانون والشريعة النخبويين بالجامعات اليمنية المعترف بها، لضمان الوقار المهني والأمانة العلمية عند مراجعة الأحكام الباتة.

2. الدوائر الثمان المتخصصة للمحكمة العليا وتأليفها

أحكم المشرع اليمني في المادة (13) من قانون السلطة القضائية التقسيم النوعي والموضوعي لأعمال المحكمة العليا، واستحدث بموجبها ثمان دوائر قضائية متخصصة، محصناً تشكيل هيئات الحكم فيها بـ أعداد فردية صارمة من القضاة:

أ. الهيكلية التفصيلية للدوائر الثمان

تتكون المحكمة العليا من الدوائر الحصرية الآتية نصاً:
  1. الدائرة الدستورية.
  2. الدائرة المدنية.
  3. الدائرة التجارية.
  4. الدائرة الجنائية (الجزائية).
  5. دائرة الأحوال الشخصية.
  6. الدائرة الإدارية.
  7. الدائرة العسكرية.
  8. دائرة فحص الطعون.

ب. نصاب قضاة هيئات الحكم وتداول الأصوات

وضع القانون تميزاً فنيّاً صارماً بين نصاب الدائرة الدستورية وبقية الدوائر الأخرى حظراً للبطلان:
  • هيئة حكم الدائرة الدستورية: تنص المادة صراحة على أن: «تتألف هيئة الحكم في الدائرة الدستورية من سبعة قضاة». وتصدر القرارات والأحكام فيها بالإجماع أو بأغلبية الأصوات الحتمية.
  • هيئة حكم الدوائر السبع الأخرى: تنص المادة على أن: «تتألف هيئة الحكم في كل من الدوائر الأخرى من خمسة قضاة». وتصدر أحكامها بالأغلبية، وإذا تعذر حضور رئيس الدائرة أو قام به مانع، ناب عنه الأقدم درجة من الأعضاء لإيقاع الجلسات بقوة القانون، صوناً للقاعدة الفقهية الكبرى: «الضرر يُزال».

3. الاختصاصات والصلاحيات الحصرية بموجب المادة (15)

حددت المادة (15) من قانون السلطة القضائية ولاية ونفوذ المحكمة العليا بصفة حصرية وقاطعة، وجعلت منها المرجع الأعلى لحماية الحقوق والممتلكات وعصمة الدماء بقوة الشرع والقانون، وتتلخص اختصاصاتها نصاً في الآتي:
[الرقابة الدستورية] ➔ [الطعن بالنقض] ➔ [الفصل في التنازع] ➔ [محاكمة شاغلي السلطة]

أولاً: الرقابة على دستورية القوانين واللوائح

الفصل في الادعاءات والدعاوى المتعلقة بـ عدم دستورية القوانين، واللوائح، والقرارات الأنظمة، متى رُفع إليها الطعن بصفة أصلية أو بناءً على دفع موضوعي مفسر ومسنود بالقرائن يبديه أحد المحامين أمام محكمة أدنى درجة ويحيله القاضي للدائرة الدستورية للبت فيه حظراً لمخالفة روح الدستور والنظام العام الشرعي.

ثانياً: النظر في الطعون بالنقض

الفصل في الطعون بالنقض في الأحكام النهائية الصادرة في المواد المدنية، والتجارية، والجنائية، والأحوال الشخصية، والإدارية، والعسكرية، والتحقق المجهري من مدى مطابقتها وموافقتها لأحكام الشريعة الإسلامية والقوانين السيادية للدولة، مع مراعاة الاختلاف الإجرائي بين ما يرفع إليها من الطعون المدنية والجزائية ودعاوى عدم الدستورية ومخاصمة قضاة وأعضاء نيابات الإستئناف.

ثالثاً: حسم تنازع الاختصاص ودعاوى مخاصة القضاة

  • الفصل في طلبات تعيين المحكمة المختصة نوعياً أو مكانياً عند حدوث تنازع إيجابي أو سلبي على الولاية بين محكمتين يمنيتين لا تتبعان محكمة استئناف واحدة.
  • الفصل حصرًا في دعاوى مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة العامة ومحاسبتهم ماليّاً وإدارياً عند ارتكابهم عيوب الغش، أو التدليس، أو الخطأ المهني الجسيم أثناء ممارسة وظائفهم القضائية، تفعيلاً للمبدأ: «المفرط أولى بالخسارة».

رابعاً: محاكمة شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا

الفصل في اتهام وتوجيه الجنايات لـ شاغلي وظائف السلطة التنفيذية العليا (كرئيس الدولة، والوزراء، ونوابهم) عند اقترافهم جرائم الخيانة العظمى أو خيانة الأمانة واختلاس الأموال العامة وحسابات الضمان للدولة، بموجب القواعد واللوائح الدستورية الحاكمة نصاً.

4. أحكام الهيئة العامة للمحكمة العليا والعدول عن السوابق

نظم قانون السلطة القضائية آلية فنية غاية في الذكاء المؤسسي لتوحيد الرأي القضائي وحظر التناقض بين الدوائر:

أ. التشكيل القانوني للهيئة العامة

تتشكل الهيئة العامة للمحكمة العليا بقوة القانون من رئيس المحكمة العليا، ونائبه أو نوابه، وكافه رؤساء الدوائر الثمان المتخصصة مجتمعين، وتنعقد جلساتها برئاسة رئيس المحكمة أو من ينوب عنه عند غيابه.

ب. ولاية العدول عن السوابق والمبادئ القضائية

إذا عرضت على إحدى الدوائر (كالدائرة المدنية) قضية تركة أو أرض عقارية، ووجدت الدائرة أن الفصل فيها يقتضي "العدول عن مبدأ قانوني أو فقهي استقر صياغته في أحكام وسوابق قضائية صادرة عن ذات الدائرة أو عن دائرة أخرى"؛ يحظر عليها القانون العدول بصفة منفردة؛ بل توجب القوانين إحالة ملف الطعن إلى الهيئة العامة للمحكمة العليا للبت فيه، وتصدر الهيئة العامة مبدأً جديداً معدلاً بالأغلبية المطلقة، ويُعد قرارها حجة إلزامية تلتزم محاكم الإحالة باتباع نصوصها حتماً، تفعيلاً للقاعدة: «المرء مُلزم بإقراره».

خلاصة واستنتاج وتوجيه عملي

يؤكد التشريح والتحليل النصي الصارم لقانون السلطة القضائية اليمني أن المشرع أحاط المحكمة العليا ببناء هيكلي باله الحصانة والوقار المهني؛ فوزع ولايتها القضائية على ثمان دوائر تخصصية محددة النصاب بـ خمسة وسبعة قضاة حظراً للبطلان، وجعل من أحكامها ومبادئها المستخلصة البوصلة النظامية الأسمى الحامية للممتلكات والحريات وسيادة القانون من عيوب التناقض أو إنكار العدالة في البلاد.
ونصيحتنا وتوجيهنا العملي لكل زميل مهنة، باحث، ومستشار شركات: احرص بصرامة حديدية مجهرية عند إعداد مذكرات طعنك بالنقض على فحص التشكيل العددي والصلاحية النوعية للدائرة الفاحصة لملفك لانتزاع دفوع البطلان الشكلي عند حدوث أي مخالفة لنصاب القضاة المنصوص عليه في المادة (13)؛ واجعل من "قرارات الهيئة العامة للمحكمة العليا" (محل الإثبات) أسلوبك الدفاعي الأول لتدعيم مراكز موكليك المالية والعقارية وتوجيه عقيدة محاكم الموضوع للإنصاف السريع. هذا الالتزام الحرفي الحصري بالنص القانوني دون تأويل هو بوابتك الذهبية لحصد النجاح، ترسيخاً للعدالة المطلقة وتحقيقاً لسيادة القانون في ظل ميزان الحق المنصف العادل.
author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent