recent
جديد المشاركات

المتهم بريء حتى تثبت ادانته في القانون اليمني

تُمثل قرينة البراءة الأصلية (Presumption of Innocence) الحصن النظامي والدرع الدستوري الأسمى لحماية الحريات الشخصية، وصيانة الأنفس المعصومة، وتحصين الأفراد والشركات من كافه تعسف أو ملاحقة جائرة في المجتمع؛ إذ لا يستقيم ميزان العدالة أو يستقر الائتمان المصرفي والتجاري في الأسواق إذا أُتيح للاتهامات العفوية والبلاغات الكيدية أن تخدش كرامة الإنسان أو تزلزل مركزه المالي دون دليل يقيني. وإن قاعدة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" ليست مجرد شعار إنساني مرن أو توصية حقوقية تنظيمية، بل هي "أصل شرعي وقانوني جامد يعلو فوق كافه القوانين العادية"، ويقيد سلطات مأموري الضبط القضائي والنيابة العامة بضوابط صارمة تحظر امتهان الأنفس أو مصادرة الأموال عشوائياً قبل حسم القضاء.
وتستقبل النيابات العامة ومحاكم الجنايات بالجمهورية اليمنية خصومات يومية بالغة التعقيد تتمحور حول تفعيل هذه القرينة؛ لاسيما عند دفع المحامين ببطلان اعترافات المتهمين المنتزعة بالإكراه، أو الخلاف حول شرعية مبررات الحبس الاحتياطي وتجميد حسابات الضمان والبصائر العقارية للمتهم، أو تفسير الشكوك والأدلة المتناقضة في جنايات الدم (كجناية القتل العمد المادة 230 عقوبات). من هنا، يتوجب على المستشار القانوني والمحامي المحترف الإحاطة المجهرية بالتفاصيل الإجرائية المقررة للمبدأ. في هذا الدليل الشامل والموسع، نفند بالتأصيل الشرعي والتحليل القضائي الأساس الدستوري لقاعدة البراءة باليمن، آثارها الموضوعية في نقل عبء الإثبات وتفسير الشك لمصلحة المتهم، والمسار العملي لإبطال التهم الكيدية لانتزاع أحكام البراءة بقوة القانون.

التأصيل الدستوري والشرعي لقرينة البراءة باليمن

يقوم البنيان النظامي لقاعدة البراءة في اليمن على ركائز قطعية مستمدة من الدستور وأحكام الفقه الإسلامي:

الحصانة الدستورية السيادية للمبدأ

أفرد الدستور اليمني النافذ نصوصاً صريحة صاغت قاعدة البراءة بعبارات جازمة متعلقة بالنظام العام؛ فقرر أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات يحوز حجية الأمر المقضي به». ويترتب على هذا النص السيادي بطلان كافه إجراء تنفيذي أو لائحي يعامل المشتبه به بصفة المذنب قبل إدانته قطيعاً، وحظر إجبار الفرد على إثبات براءته؛ لكون الأصل استبقاء براءته الفطرية حمايةً للائتمان وحرية الحركة في الأسواق.

الجذر الفقهي الأصيل (الأصل في الإنسان البراءة)

تتطابق أحكام قانون الإجراءات الجزائية اليمني مع الأصول الكلية المعبرة عن العدالة المطلقة في الشريعة الإسلامية والمذهب الزيدي؛ حيث يستقر الفقه الإسلامي على القاعدة الكبرى: «الأصل في الآدميين البراءة وعصمة الدم والمال» . ويتفرع عنها قواعد فقهية حاسمة مثل: «اليقين لا يزول بالشك» و«الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة. فكافه اتهام يظل عارضاً طارئاً يشوبه الشك، والشك لا يمتلك النفوذ لنسف يقين البراءة، وجاء في الأثر الهادي للسياسة العقابية: «ادفعوا الحدود بالشبهات».

الآثار الإجرائية والموضوعية لقاعدة البراءة في المحاكمة

يرتب نفاذ قرينة البراءة الأصلية آثاراً قانونية بالغة القوة تنقلب بموجبها كافه موازين الخصومة الجنائية أمام محكمة الموضوع حظرًا للبطلان:

نقل عبء الإثبات كلياً على عاتق النيابة العامة

يُعد نقل عبء الإثبات (Onus Probandi) الأثر الموضوعي الأبرز للمبدأ؛ وبموجبه تلتزم النيابة العامة بصفتها ممثلة الحق العام بتقديم كافه أدلة الإثبات والقرائن اليقينية القاطعة التي تثبت ارتكاب المتهم للجرم (محل الإثبات) وتوافر الركن المادي والمعنوي لديه. ويقف المتهم في مركز سلبي محصن؛ فلا يُطالب نظاماً بحشد البينات لإثبات عدم ارتكابه للفعل، ويكفيه للنجاح التمسك بقرينة البراءة الأصلية وهدم أسانيد الاتهام، تفعيلاً للقاعدة الفقهية الكبرى: «البينة على من ادعى».

التفسير الإلزامي للشك لمصلحة المتهم

إذا انتهت المحاكمة وحشدت النيابة العامة أدلتها، ووجد قاضي الموضوع أن الأدلة متناقضة أو تشوبها الشبهات والغموض ولا تقطع بيقين جازم بارتكاب الفعل؛ أوجب القانون عليه حتماً تفسير هذا الشك لمصلحة المتهم وإصدار حكم بالبراءة فالأحكام الجنائية باليمن تبنى على الجزم واليقين لا على الظن والتخمين؛ وبقاء أدنى نسبة من الشك تعني بقاء "يقين البراءة الأصلية" صامداً ومدمراً للتهمة، التزاماً بالمبدأ الأصولي: «المفرط أولى بالخسارة».

الضمانات الوقائية المصاحبة لقرينة البراءة الأصلية

أحاط المشرع اليمني المتهم طوال فترة التحقيق والمحاكمة بترسانة من القيود والضمانات الآمرة التي تمنع تعسف جهات الضبط:
[ضمانات قرينة البراءة] ➔ [حظر التعذيب والإكراه] ➔ [استثنائية الحبس الاحتياطي] ➔ [حق الصمت والامتناع]
  • البطلان المطلق للاعترافات المنتزعة بالإكراه: تنص القواعد الآمرة على أن كافه اعتراف أو إقرار مالي أو جنائي يصدر من المتهم تحت تأثير التعذيب، أو الإكراه المادي أو الأدبي، أو التهديد، يُعد باطلاً بطلاناً مطلقاً وجريداً من كافه حجية استدلالية. ويُعاقب مأمور الضبط القضائي الذي اقترفه بجناية التعذيب، عملاً بالقاعدة الفقهية: «الضرر يُزال».
  • الطبيعة الاستثنائية للحبس الاحتياطي والقبض: القبض على الفرد وحبسه احتياطياً هو قيد استثنائي شديد الخطورة على أصل البراءة؛ لذا حظر القانون اللجوء إليه إلا في الجنايات الجسيمة وبموجب أمر كتابي مسبق ومعمد من النيابة العامة، وضمن مدد زمنية قاطعة لا يجوز تجديدها إلا بقرار من القاضي المختص نوعياً.
  • كفالة حق الصمت والامتناع عن الكلام: يحق للمتهم من لحظة توقيفه الامتناع التام عن الإجابة على الأسئلة والتمسك بحضور محاميه؛ ولا يُكيف صمته إجرائياً بأنه قرينة إدانة أو اعتراف بالذنب، بل هو ممارسة مشروعة لحق الدفاع، تفعيلاً للمبدأ: «المرء مُلزم بإقراره».

المسار الإجرائي للمحامي لإسقاط التهم وتفعيل قرينة البراءة

لحماية حريات المتهمين وإحباط المكائد الجنائية بالأسواق، يتخذ المسار القضائي دورة مستندية ثنائية الحصانة لانتزاع حكم الصدارة:
  1. التمسك بـ الدفع ببطلان الأدلة لعدم المشروعية: فحص محضر الاستدلال والتحقيق مجهرياً؛ وإذا ثبت تحصيل الدليل بطرق غير نظامية (كتفتيش مسكن المنشأة أو حسابات الضمان دون إذن النيابة وفي غير حالات التلبس)، حرك المحامي الدفع ببطلان الدليل لخرقه قرينة البراءة واستبعاده من ملف الدعوى، تفعيلاً للقاعدة: «ما بني على باطل فهو باطل».
  2. استصدار حكم البراءة وإلغاء كافه التدابير التحفظية: تقديم لوائح الدفاع المستندة للمبادئ الباتة لـ المحكمة العليا في اليمن، لإجبار محكمة الجنايات على إعلان براءة موكلك، والإفراج الفوري عنه إن كان مسجوناً، وإلغاء كافه أوامر الحجز التحفظي أو التجميد المسلطة على أمواله وعقاراته وبصائره بجريرة التهمة الساقطة، نصرة للحق والعدالة المطلقة.

خلاصة واستنتاج وتوجيه عملي

يؤكد هذا التشريح والتأصيل الدستوري والجنائي في هذا الدليل الشامل أن قاعدة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" تُمثل الحجر الأساس وصرح الحماية الأسمى الذي يستند إليه وقار القضاء وسيادة القانون بالجمهورية اليمنية؛ واضعاً أعباء الإثبات (محل الإثبات) على عاتق الادعاء وتفسير الشبهات لمصلحة المتهم صمام الأمان الحقيقي المنيع الحامي لحريات وملكيات وحسابات ضمان العباد من مخاطر التبديد والافتراء الكيدي، ترسيخاً للعدالة المطلقة وسيادة القانون في البلاد تحت ميزان الحق المنصف العادل.
ونصيحتنا وتوجيهنا العملي لكل مستشار حقوقي ممارس، باحث، ومحامٍ نخبوي باليمن: احرص بصرامة حديدية ومجهرية منذ الجلسة الأولى للتحقيق على التمسك بقرينة البراءة الأصلية لموكليك، وحرك الدفوع ببطلان كافه إجراء يتضمن تلميحاً بالإدانة المسبقة أو معاملة المتهم كالمذنب قبل صدور الحكم البات (محل الإثبات) لتقطع دابر حيل الالتواء الكيدية للخصوم؛ واجمع البينات والقرائن المعمارية التي تبدد مزاعم النيابة وتفرز الشك بمتن لوائحك لتجبر المحكمة على إعلان البراءة التامة. واحذر من تفويت مواقيت الطعن بالنقض الجنائي الصارمة (الأربعون يوماً المادة 437) حماية لطعنك وصوناً لحريات وحسابات ضمان منشأتك، لانتزاع أحكام الصدارة والريادة المعرفية النخبوية، تحقيقاً لسيادة القانون والعدالة المطلقة في ظل ميزان الحق المنصف العادل.


author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent