تعد المصارف التجارية المحرك الرئيس للاقتصاد المعاصر، إذ تقدم حزمة من الخدمات الائتمانية والضمانات التي أضحت شريان الحياة للتجارة الدولية والداخلية. ومع تطور هذه الممارسات، برزت إشكالية التكييف الشرعي لعمليات الاعتماد المستندي، وخصم الأوراق التجارية، وخطابات الضمان، والقبول المصرفي؛ نظراً لاشتمالها على عناصر الائتمان والأجل.
تهدف هذه المقالة المختصرة إلى تبيان الموقف الفقهي من المبالغ التي تتقاضاها المصارف في هذه العمليات، مميزةً بين ما يعد "أجراً" أو "جعالة" مقابل خدمات فعلية، وبين ما يقع في دائرة الفوائد الربوية المحظورة. ولتحقيق ذلك، تعتمد الدراسة على الموازنة بين الضرورة الاقتصادية لمرونة المعاملات، وبين ضوابط العقود في الشريعة الإسلامية، مستعرضةً تخريجات فقهية معاصرة كـ "الحوالة بأجر"، و"القرض بضمان"، و"التوكيل"، وصولاً إلى تأصيل شرعي يوافق متطلبات الاقتصاد الحديث دون إخلال بالأحكام القطعية
مناقشة التكييف الفقهي للاعتماد المستندي
أولاً: مناقشة التخريج والرد عليه:
- في الاعتماد المستندي: هنالك رغبة مسبقة من المستورد لشراء السلعة من المصدر، بينما لا يتضمن بيع المرابحة مرحلة الرغبة المسبقة.
- في الاعتماد المستندي: ينعقد العقد بين المستورد والمصدر قبل تدخل المصرف، ويعدّ المصرف وسيطاً بينهما، أما في بيع المرابحة فلا يوجد وسيط بين البائع والمشتري.
- في الاعتماد المستندي: ما يحصله المصرف يعدُّ أجراً نظير قيامه بالعمل، بينما في بيع المرابحة تعد الزيادة على الثمن ربحاً.
ثانياً: رأي الفقه الإسلامي في أخذ الزيادة في الاعتماد المستندي:
- الزيادة كأجر: يُعد أخذ الزيادة في الاعتماد المستندي أجراً على تعهد المصرف بدين المستورد، واتصاله بالمصدر، ومطالبته بمستندات الشحن، وتخزين البضائع، ونحو ذلك من الخدمات العملية، وهذا الأجر جائز شرعاً.
- الزيادة كقرض ربوي: ذهب البعض إلى أن أخذ الزيادة على المبلغ غير المغطى من قيمة البضاعة يُعد فائدة ربوية على قرض. والتكييف الفقهي الصحيح: أن المصرف حين يسدد ثمن البضاعة إنما يسدد دين المستورد بأمره ولصالحه، فيكون مضمونا عليه بقيمته، لأنه هو المتلف للمبلغ المسدد، فتشتغل ذمته بقيمته دون أن يدخل في ملكيته شيء، أي أن ضمان المستورد لقيمة البضاعة ضمان غرامة بقانون الإتلاف لا بقانون عقد القرض. وضمان الغرامة بقانون الإتلاف لا يقتضي وقوع قرض ضمني؛ لذا فإن فرض الزيادة مستبعد تماماً عن كونه قرضاً ربوياً، وتؤخذ عوضاً عن الضمان الإنشائي، وهو أمر مباح بالإباحة الأصلية.
- الزيادة كشرط في عقد البيع: إن الزيادة (الفوائد) على المبلغ المستحق طوال المدة التي تسبق تحصيله في الخارج، والتي يحملها المصدر على مصرف المستورد ثم يحملها الأخير على المستورد، تستند إلى شرط في عقد البيع. وبما أن الإلزام بدفع المبلغ المشروط إنما هو بحكم عقد البيع لا عقد القرض، فإن هذه الزيادة لا تعد ربوية؛ لأن المحرم هو جعل الزيادة مقابل القرض حدوثاً أو بقاءً، لا الإلزام بدفع مبلغ بحكم شرط ضمن عقد البيع.
عملية الخصم (Discount)
أولاً- تعريف عملية الخصم:
هي تظهير الكمبيالة تظهيراً ناقلاً للملكية إلى مصرف لغرض الحصول على مبلغها في تاريخ الخصم الذي يسبق تاريخ الاستحقاق عادةً.
ثانياً- أهمية عملية الخصم:
- بالنسبة لصاحب الكمبيالة: توفر له الحل العملي للحصول على السيولة النقدية بضمانة الكمبيالة، مع تقصير المدة اللازمة لاستيفاء قيمتها.
- بالنسبة للمصرف: وسيلة استثمارية مثمرة، سهلة التحقيق، ومضمونة (نظراً للضمانة الشخصية التضامنية للموقعين عليها).
ثالثاً- المبالغ المقتطعة (الأجيو - Agio):
تتألف من ثلاثة عناصر: فائدة الخصم، عمولة التحصيل، والعمولة العادية (المصاريف العامة).
رابعاً- الطبيعة القانونية وموقف الفقه الإسلامي:
اختلف رجال القانون في تكييفها بين (حوالة، قرض بضمان، أو عقد ذي طبيعة خاصة). أما فقهياً، فالتكييف الأقرب هو أنها قرض بضمان وتحويل، وما يقتطعه المصرف من أصل القيمة لقاء الأجل يعد فائدة محذورة (ربا)، ما لم يُكيف كأجر.
- التخريجات الفقهية:
- بيع الدين بأقل منه: أجازه بعض الفقهاء (كالإمامية والمالكية) بشرط السلامة من الربا، لكنه يبقى محلاً للنقاش عند من يرى فيه بيع نقد آجل بعاجل.
- حوالة بأجر: يعتمد على دمج الفائدة والعمولة لتصبح أجراً على الاستيفاء.
- قرض بضمان وتوكيل بأجر: وهو التخريج المختار، حيث لا يوجد بيع محظور، بل قرض بضمان وتوكيل (جعالة) لاستيفاء الحق، وتوزع عناصر "الأجيو" على نفقة القرض، وأجرة الوكالة، ومصاريف التحصيل.
- حط وتعجل: وهو إجازة أخذ الأقل من قيمة الحق مقابل تعجيل السداد، وقد أجازه ابن عباس ومجموعة من الفقهاء.
الاعتماد بالضمان خطابات الضمان
أولاً- تعريف خطاب الضمان:
تعهد يصدره المصرف بناءً على طلب عميله بدفع مبلغ معين لطرف ثالث (المستفيد)، لضمان وفاء العميل بالتزاماته.
ثانياً- موقف الفقه الإسلامي:
- التخريج على الوكالة: المصرف وكيل عن العميل في تنفيذ الالتزام، ويجوز أخذ الأجر مقابل الوكالة.
- التخريج على الضمان: يجوز توقيت الضمان (الكفالة لأجل) كما ذهب الحنفية والإمامية، ويجوز أخذ العوض عن الضمان (العمولة) باعتباره "جعالة" على عمل فيه كلفة معنوية، وهو ما ذهب إليه الشافعية والإمامية وعدد من الباحثين المحدثين.
القبول المصرفي
أولاً- تعريفه:
تعهد المصرف (المسحوب عليه) بأداء قيمة الورقة التجارية في ميعاد الاستحقاق.
ثانياً- موقف الفقه الإسلامي:
- القبول المصرفي للشيكات: جائز، ويمكن للمصرف أخذ "جعالة" لقاء العمل الذي فيه كلفة معنوية تعزز الثقة.
- القبول المصرفي للكمبيالات: يُكيّف على أنه تعهد عن أداء الدين (ضمان) لا الدين نفسه، مع بقاء المسؤولية الأصلية على ذمة المدين. وهو تعهد مشروع لا بأس به، وقد أفتى المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) بجوازه.