recent
جديد المشاركات

الشرط الجزائي في عقود المناقصات والمزايدات الحكومية اليمنية

يمثل الشرط الجزائي (غرامات التأخير) في عقود المناقصات والمزايدات الحكومية اليمنية أداة قانونية استثنائية لحماية المال العام وضمان سير المرافق العامة بانتظام واطراد وفقاً للقانون رقم (23) لسنة 2007م [9.1, 9.2]. وتختلف طبيعة هذا الشرط في العقود الإدارية عن العقود المدنية؛ حيث يمتلك الطرف الحكومي سلطة توقيع الغرامة وخصمها مباشرة دون الحاجة للجوء إلى القضاء أو إثبات حدوث الضرر، مما يضع على عاتق المقاولين التزامات زمنية صارمة تضمن تنفيذ المشاريع الحيوية دون تباطؤ.

الطبيعة القانونية والخصائص الاستثنائية للشرط الجزائي الإداري

الشرط الجزائي في عقود القانون العام اليمني لا يتخذ طابع التعويض المدني البحت، بل يحمل طابعاً **جزائياً وزجرياً** يستهدف إجبار المتعاقد مع الدولة على الوفاء بالتزاماته في المواعيد المحددة. وتتميز غرامة التأخير في عقود المناقصات الحكومية بثلاث خصائص استثنائية تكرس سلطة الإدارة العامة:

التنفيذ المباشر والخصم التلقائي

تملك الجهة الحكومية (الوزارة، المؤسسة، أو السلطة المحلية) الحق في توقيع غرامة التأخير وخصم قيمتها تلقائياً من المستخلصات المالية الجارية للمقاول أو من ضمان حسن التنفيذ المودع لديه، بمجرد ثبوت واقعة التأخير المادي، دون حاجة لإنذاره أو استصدار حكم قضائي مسبق، خلافاً للقواعد المدنية.

افتراض وقوع الضرر بصفة مطلقة

في العقود الإدارية، يُفترض أن أي تأخير في تنفيذ مناقصات الدولة (كبناء مدرسة، أو توريد أدوية) يترتب عليه ضرر محقق يصيب المصلحة العامة ويعطل المرافق الحيوية. وبناءً على ذلك، لا يُكلف الطرف الحكومي بإثبات وقوع الضرر لتستحق الغرامة، بل تلزم المحاكم المقاول بدفعها بمجرد وقوع التأخير المادي.

عدم خضوع الغرامة لسلطة التخفيض القضائي

بينما يمنح القانون المدني اليمني للقاضي سلطة تخفيض الشرط الجزائي إذا كان مبالغاً فيه، فإن الغرامات المقررة في عقود المناقصات الحكومية محددة بنسب قانونية آمرة في اللائحة التنفيذية لقانون المناقصات، ولا تملك المحاكم أو لجان التحكيم سلطة تخفيضها طالما تم احتسابها وفق المعايير التشريعية الصحيحة.


المعايير التشريعية لاحتساب غرامة التأخير والحد الأقصى لها

وضعت اللائحة التنفيذية لقانون المناقصات والمزايدات والمخازن الحكومية اليمني معادلة دقيقة ونسباً تصاعدية لاحتساب الشرط الجزائي، تختلف باختلاف طبيعة العقد المتنازع عليه [9.1, 9.2]:

عقود المقاولات والإنشاءات العامة

تُحتسب الغرامة في عقود الأشغال العامة (كشق الطرق أو بناء المنشآت) على أساس جزء من الألف من القيمة الإجمالية للعقد عن كل يوم تأخير، وتتدرج النسب حتى تصل إلى **الحد الأقصى القانوني وهو 10%** من القيمة الإجمالية للعقد [9.1, 9.2]. وإذا بلغت الغرامة هذا السقف، يحق للجهة الحكومية سحب العمل من المقاول فوراً والتنفيذ على حسابه.

عقود التوريدات والخدمات الاستشارية

في عقود توريد السلع والمعدات للأجهزة الحكومية، تُحتسب غرامة التأخير بنسب يومية أو أسبوعية محددة في الشروط الخاصة للمناقصة، ووضع المشرع اليمني حداً أقصى لغرامات التوريد يتراوح عادة بين **4% إلى 5%** من القيمة الكلية للتوريدات المتأخرة، نظراً لأن طبيعة التوريد تتيح للإدارة سرعة تدارك النقص من الأسواق البديلة.

وعاء احتساب الغرامة الكلية مقابل الجزئية

تُحتسب الغرامة كأصل عام على القيمة الكلية للعقد. ومع ذلك، استقر التشريع والقضاء الإداري في اليمن على أنه إذا قامت الجهة الحكومية بـ تسلم أجزاء من المشروع تسلماً مؤقتاً واستفادت منها فعلياً في تسيير المرفق العام، وجب استبعاد قيمة الأجزاء المتسلمة من وعاء احتساب الغرامة، واقتصار الغرامة على قيمة الجزء المتأخر فقط تحرياً للعدالة.


الحالات القانونية للإعفاء من الشرط الجزائي الحكومي

رغم صرامة عقود المناقصات، إلا أن المشرع اليمني فتح نافذة قانونية لحماية المقاولين من الغرامات إذا كان التأخير ناشئاً عن أسباب خارجة عن إرادتهم المحضة، وتتمثل حالات الإعفاء في ثلاث صور رئيسية:

خطأ الجهة الإدارية المتعاقدة

يُعفى المقاول من غرامة التأخير إذا ثبت أن التباطؤ كان نتيجة مباشرة لتقصير الجهة الحكومية نفسها؛ مثل: التأخر في تسليم موقع العمل خالياً من الموانع، التأخر في صرف المستخلصات المالية المستحقة في مواعيدها القانونية مما أدى لعجز المقاول عن التمويل، أو طلب الإدارة إدخال تعديلات جوهرية وإضافية على المخططات الهندسية دون تمديد المدة.

القوة القاهرة والظروف الطارئة

تسقط الغرامة إذا ثبت وقوع حادث فجائي عام أجنبي لا يد للمقاول فيه ولا يمكن توقعه أو دفعه وقت التعاقد؛ كظروف الحروب، الجوائح الصحية، السيول الجارفة التي تدمر موقع العمل، أو القرارات السيادية بفرض حظر التجوال وإغلاق الموانئ. ويُمنح المقاول هنا **تمديداً زمنياً مجانياً** يعادل فترة توقف العمل بسبب القوة القاهرة.

صدور قرار مكتوب بالتمديد من السلطة المختصة

لا يُعفى المقاول بوعود شفهية؛ بل يشترط القانون اليمني لسقوط الغرامة صدور **قرار كتابي مسبق بالموافقة على تمديد العقد** من اللجنة العليا للمناقصات أو الجهة الفنية المختصة بالوزارة بناءً على تقارير المهندس المشرف، موضحاً فيه الأسباب المبررة للتمديد وفترة السماح الجديدة.


الآثار القانونية المترتبة على بلوغ الغرامة حدها الأقصى

إذا استنفد المقاول المهلة واستمر في التباطؤ حتى استغرقت غرامة التأخير حدها الأقصى (10% في المقاولات)، فإن القانون اليمني يمنح الجهة الحكومية سلطة اتخاذ تدابير حازمة لحماية المشروع:

  • فسخ العقد ومصادرة الضمان: تملك الإدارة فسخ العقد بإرادتها المنفردة، ويترتب على ذلك مصادرة ضمان حسن التنفيذ (النهائي) بالكامل لصالح خزينة الدولة كجزاء إداري.
  • سحب العمل والتنفيذ على حساب المقاول (الحساب البديل): يحق للإدارة طرد المقاول وسحب الآليات وطرح المتبقي من المشروع في مناقصة جديدة، على أن يتحمل المقاول المقصر فارق السعر والزيادة في التكاليف بين العقد القديم والجديد، بالإضافة إلى مصاريف إدارية بواقع 10% من قيمة الأعمال المنفذة على حسابه.
  • الإدراج في القائمة السوداء (الحظر الفني): تُحيل الجهة ملف المقاول إلى الهيئة العليا للرقابة على المناقصات لإدراجه في **القائمة السوداء للمقاولين الممنوعين** من التقدم لأي مناقصات حكومية مستقبلاً لمدد محددة نتيجة إخلاله بالالتزامات العقدية.

مبادئ المحكمة العليا اليمنية في غرامات التأخير الحكومية

أرست الدوائر الإدارية والتجارية بالمحكمة العليا في اليمن مبادئ راسخة لضبط استخدام السلطة التقديرية للإدارة في توقيع الغرامات، ومن أهمها:

  • قاعدة "حظر الجمع بين الغرامة والتعويض عن ذات الضرر": استقرت مبادئ المحكمة العليا على أن غرامة التأخير المتفق عليها في وثائق المناقصة هي تعويض اتفاقي شامل؛ فلا يجوز للجهة الحكومية أن تجمع بين خصم الغرامة وبين رفع دعوى تطالب فيها بتعويض إضافي عن ذات التأخير، مالم يثبت حدوث غش أو خطأ جسيم من المقاول يجاوز أثر غرامة التأخير المعتادة.
  • قاعدة "سقوط الحق في الغرامة عند تسلم المشروع دون تحفظ": قررت المحكمة العليا أنه إذا تأخر المقاول في إنجاز الأشغال، ثم قامت اللجنة الحكومية بـ التسلم النهائي للمشروع وتصفية الحساب الختامي دون إبداء أي تحفظ مكتوب بشأن التأخير، اعتبر ذلك تنازلاً ضمنياً وإبراءً من الجهة الإدارية يسقط حقها في المطالبة بغرامة التأخير لاحقاً.

خلاصة وتوصيات إجرائية

يُمثل الشرط الجزائي في المناقصات الحكومية اليمنية صمام أمان لتدشين مشاريع البنية التحتية بكفاءة ومسؤولية. وننصح الشركات والمقاولين بالتوثيق المكتوب الفوري لكافة عوائق العمل (كالتأخر في صرف المستخلصات) وإخطار الجهة الحكومية بها رسمياً خلال المواعيد القانونية لطلب التمديد، كما نحث اللجان الإدارية على تصفية الحسابات بدقة وتجنب التراخي في إثبات التحفظات الفنية لضمان عدم سقوط حقوق الدولة في غرامات التأخير الواجبة بقوة القانون.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent