يُقدم د. رياض فتح الله بصلة هذه الدراسة التأصيلية التي تتناول التحديات الفنية والقانونية التي تواجه خبراء فحص المستندات عند التعامل مع مخرجات الناسخات والطابعات الملونة وغير الملونة، مستعرضاً حدود الإثبات العلمي في ظل غياب أصول المحررات.
أهمية الأصول وإشكالية النسخ والصور الضوئية
أهمية الأصول:
يتعين وجود أصل المحررات عند دراسة الخواص التكوينية للأوراق والأحبار وأدوات الكتابة، وما بها من خصائص قد تدل على المصدر.
يمكن طمس بعض خصائص مخرجات الآلات الكاتبة والطابعات الحاسوبية في صورها ونسخها الضوئية، حتى وإن كانت مأخوذة مباشرة من الأصل.
يترتب على الفحص المباشر للأصول إمكانية دراسة الخواص الكتابية بتفصيلاتها الدقيقة التي قد يتضاءل رصدها في الصور أو النسخ الضوئية.
لا يمكن فحص الكتابات المنضغطة أو غير المرئية، كما لا يمكن إثبات الانضغاطات المصاحبة لتزوير التوقيعات عن طريق النقل المباشر وغير المباشر إذا جرى الفحص على صور أو نسخ ضوئية.
قد تختفي الشواهد الدالة على التزوير بـ "المونتاج" (تركيب أكثر من قطعة ورق من مصادر مختلفة لعمل محرر واحد) إذا جرى الفحص على النسخ الضوئية.
قد تختفي الظواهر الدالة على عمليات التزوير بالمحو الآلي أو الكيميائي، أو التعديل، أو الإضافة، أو الطمس عند فحص النسخ فقط.
قد تكون كتابة صلب المحرر في نسخة ما صادرة عن كاتبها، والتوقيع أيضاً صادر عن صاحبه، ولكن العلاقة بينهما غير صحيحة. المحقق يبحث في مدى صحة هذه العلاقة: هل وقّع صاحب التوقيع على هذا الصلب تحديداً بإرادة حرة وموافقة على المضمون؟ لدراسة هذه العلاقة، يجب الفحص على أصل المحرر، خاصة مع انتشار تزوير التوقيعات عبر الماسحات الضوئية والطابعات والراسمات الحاسوبية.
للكتابة اليدوية بُعدٌ ثالث هو "ضغط الكاتب" على الورقة، وهو مفتاح لتقدير الظروف المحيطة بالعملية الكتابية (مثل حالات الإكراه). كما توجد تمزقات دقيقة في مسار جرات الحروف وانهيارات في أقواسها تشير إلى انخفاض ضغط الكتابة؛ وهذه التفاصيل الدقيقة (التي تستغرق أقل من 1/100 من الثانية) تعكس دلالات هامة لا يمكن رصدها في الصور الضوئية.
لهذه الأسباب، يُصر الخبراء على فحص أصول المحررات على أسس منهجية. لكن السؤال: هل يمكن للصورة الضوئية (الفوتوغرافية أو المستخرجة بناسخة كهروساكنة) أن تقوم مقام الأصل في حال فقدانه؟
إشكالية النسخة والصورة الضوئية عند الخبراء:
قاعدتنا العامة: لا تقوم أي صورة أو نسخة ضوئية مقام الأصل، خاصة إذا كانت هي المحرر موضوع الطعن.
لماذا؟
لأنه بقدر احتمالية تزوير المحرر الأصلي، توجد احتمالية لتزوير صورته. بينما يمكن إثبات التزوير في الأصول بفحص مكوناتها (الأوراق، الأحبار، أدوات الكتابة، والأحداث التي مرت بها)، فإنه لا توجد طريقة موثوقة لإثبات التزوير في النسخ الضوئية، خاصة التزوير بالمونتاج أو المحو والإضافة.
علاوة على ذلك، لا توجد وسيلة تؤكد أن الصورة الضوئية المستخرجة من أصل عرفي هي "صورة طبق الأصل"؛ إذ قد يقوم المزور بتصوير الأصل السليم، ثم يخفيه، ويُجري تعديلات على الصورة السلبية، ثم يطبع منها نسخة إيجابية معدلة. وحتى بفرض مطابقة الصورة للأصل، فمن يضمن أن الأصل نفسه لم يكن مزوراً تزويراً لا يدركه الإنسان العادي قبل تصويره؟
تُستخرج النسخ الجافة عبر الناسخات الكهروساكنة في ثوانٍ، وهي ملائمة للقراءة لا للتقاضي؛ فهي قد تفشل في رصد الجرات الملونة، أو الجرات الخفيفة، أو عيوب القلم ذي السن الكروي. كما أن بعض الناسخات تُكبر النسخة بنسبة 1%، مما يعيق القياسات الدقيقة كدراسة الاصطفاف في الآلات الكاتبة.
يعتبر "الجيل الأول" (النسخة المأخوذة من الأصل مباشرة) هو الأفضل، بينما تفتقر الأجيال اللاحقة (النسخ عن النسخ) إلى الكثير من التفصيلات. وبصفة عامة، يمكن استخدام الجيل الأول للفحوصات التمهيدية فقط، ولا تُغني أبداً عن الفحوصات النهائية على الأصل.
وعليه، فإنه لا يوجد سبب يحول دون الوصول إلى نتيجة مقنعة عند مقارنة الكتابة اليدوية في نسخة ضوئية (من الجيل الأول وبجودة عالية)، شريطة توفر تفصيلات كتابية كافية تتسم بالاتساق والتكرارية. ومع ذلك، يجب التفرقة بدقة بين "الكتابة في حد ذاتها" وبين "سلامة المحرر". فقد تكون الكتابة صحيحة، ولكن السياق (المحرر) مركب أو مزور. لذا، في حال فقدان الأصل، يجب على الخبير التحفظ في تقريره والتنصيص على عدم إمكانية إثبات صحة العلاقة بين الصلب والتوقيع، والاكتفاء بفحص التوقيع بمرجعية الخواص الشكلية والحركية فقط إذا كانت النسخة جيدة.
مطالب النيابة العامة في قضايا الناسخات والطابعات
تحديد نوع العملية المستخدمة في الاستنساخ.
تحديد نوع وطراز آلة النسخ.
بيان ما إذا كانت نسخة معينة قد استُخرجت من آلة محددة.
بيان ما إذا كانت نسختان أو أكثر قد استُخرجتا من آلة واحدة.
التعرف على أصول مخرجات الناسخات.
بيان ما إذا جرى تزوير في هذه المخرجات، وتقديم الدليل على ذلك.
طريقة أخذ عينات المقارنة من آلات النسخ
تعتبر عينات المقارنة المعيارية في غاية الأهمية، وتتم وفق الآتي:
1. تشغيل الآلة المشكوك فيها دون وضع مستند (للحصول على عينات خالية من الكتابة تظهر بها العيوب الفنية كالشرائط وعلامات بكرات الورق والاتساخات).
2. الحصول على عشر عينات على الأقل.
3. منع تنظيف أسطوانة الآلة أو الغطاء الزجاجي قبل أخذ العينات.
4. تسجيل نوع وطراز الآلة.
5. عدم الكتابة أو عمل أي علامات على وجه عينات المقارنة.
6. الاستعانة بسجلات الصيانة والإصلاح.
7. في حال كانت الناسخة تعمل بشريط (Ribbon)، يتعين التحفظ عليه لأنه يحمل صورة سلبية للمخرج الطباعي.
طريقة النسخ
تُحدد طريقة النسخ (كهروساكنة، حرارية، أو غيرها) من خلال فحص نوع الورق وتفاعله مع الوسائل الكيميائية والمجهرية. وتنتج عن الاستخدام خواص فردية (ناتجة عن خدوش الأسطوانة أو اتساخ الزجاج) تساعد في تحديد هوية الآلة، بشرط أن يتوخى الخبير الحذر في التمييز بين العلامات الدائمة والمؤقتة.
تزوير النسخ الضوئية
عند الشك في صحة نسخة، يتناول البحث ثلاثة محاور: طريقة التعريض، البحث الميداني، والدراسة الفنية.
يتم التلاعب غالباً عن طريق "المونتاج" (القطع واللصق). قد يُخفي المزور مواضع اللصق بإعادة التصوير بدقة لإخفاء الظلال.
مؤشرات كشف التلاعب:
عيوب الخلفية حول الكتابة.
عدم اصطفاف المواد المطبوعة.
دليل على إعادة الاستنساخ المتعدد (تكرار علامات الأسطوانة).
استخدام طراز آلة لم يكن موجوداً تاريخياً وقت إصدار المستند.
اختلافات دقيقة في درجة التكبير أو نوعية الطباعة.
المنهج التكاملي للتعرف على المخرجات
التعرف عملية منهجية تنتقل من العام (الهوية) إلى الخاص (الفردية).
الهوية:
تحديد مجموعة أو فئة الآلة (عبر مواصفات الورق، التحاليل الطيفية للتونر، الخواص العامة).
الفردية:
تحديد الآلة بعينها (عبر العيوب الناتجة عن الاستخدام، خدوش الأسطوانة، وعلامات الغبار).
موجز الفحص:
استخدام الفحص العيني، والعدسات المكبرة، والأشعة (فوق البنفسجية وتحت الحمراء)، وفحص طوبوغرافيا التونر بالمجهر الإلكتروني، وتحليل مكوناته العضوية وغير العضوية.
واقع تزوير المستندات المؤمنة والآليات التقنية
للتصدي لتزوير المستندات المؤمنة (العملات، الشيكات، الجوازات)، طورت الشركات تقنيات مثل:
الشفرات المطمورة:
شفرات غير مرئية تُطبع على النسخة لتتبع الآلة المستخدمة.
تقنيات منع النسخ:
برامج تتعرف على العملات الورقية وتمنع نسخها أو تصدر إشارة تحذير.
التقسيم العام للطابعات الملونة الرقمية
الطباعة متواصلة النغمات:
تُرى كمزيج متواصل من الألوان (مثل الطابعات الحرارية المتسامية).
الطباعة متدرجة/متقطعة النغمات:
تُرى كنسق من النقط (مثل الليزرية ونفاثات الحبر).
للتفرقة بينها، يعتمد الخبير على فحص:
1. نوع الحبر: (تونر صلب في الليزر، حبر سائل في النفاثات).
2. مورفولوجيا النقطة: التفرقة بين النقط المنظمة (الأوفست) والنقط العشوائية.
3. تغلغل الحبر: في الأحبار السائلة، يتغلغل الحبر في نسيج الورقة، بينما يستقر التونر على السطح.
خاتمة:
يجب على الخبير دائماً ربط النتائج العلمية بظروف القضية، مع الالتزام بالمنهجية العلمية الرصينة، وإعداد وسائل إيضاحية دقيقة لعرضها على المحكمة، مع تذكر أن "اليقين" هو الغاية من الفحص العلمي الشرعي.