recent
جديد المشاركات

أحكام استعمال وإثبات الحق في القانون المدني اليمني

تعد معادلة استعمال الحق وإثباته الركيزة الأساسية التي يقوم عليها صرح الاستقرار المعاملي والقضائي في أي مجتمع. فالقانون لا يكتفي بتقرير الحقوق الموضوعية للأفراد فحسب، بل يتدخل لضبط حدود استعمال هذه الحقوق منعاً للتغول والعدوان، ويضع القواعد الإجرائية الصارمة التي تمكن صاحب الحق من إقامة الدليل عليه أمام القضاء لتجريد الخصوم من الإنكار. وقد وازن القانون المدني وقانون الإثبات اليمني بدقة بين حريات الأفراد وحقوق المجموع، مستلهمين ذلك من القواعد الكلية للفقه الإسلامي.

في هذه الدراسة القانونية والقضائية، نقدم تأصيلاً تشريعياً وتطبيقياً شاملاً لأحكام استعمال الحق وحظر التعسف فيه وفق القانون المدني اليمني، ونقرن ذلك بالقواعد العامة للإثبات، وتوزيع عبء الدليل، وحجية المحررات الرسمية والعرفية بناءً على أحدث مبادئ المحكمة العليا اليمنية.


النظرية العامة لاستعمال الحق وضوابطها في القانون المدني اليمني

الأصل العام في القانون المدني اليمني أن للشخص الحرية الكاملة في استعمال الحقوق التي خولها له الشرع والقانون (كحق الملكية، وحق التقاضي، وحق التصرف)، ولا يُسأل عما يترتب على هذا الاستعمال من ضرر عارض يلحق بالغير طالما كان يستعمل حقه في حدوده المشروعة بناءً على القاعدة الفقهية: "الجواز الشرعي ينافي الضمان". ولكن هذه الحرية ليست مطلقة، بل يحدها قيد عدم التعسف والإضرار بالغير.

وقد أخذ المشرع اليمني بنظرية "التعسف في استعمال الحق" وصاغها كأداة تصحيحية رادعة، حيث اعتبر استعمال الحق غير مشروع وضامناً للضرر إذا توافرت إحدى الحالات الموضوعية الآتية:

نية الإضرار المحض بالغير المعيار الشخصي

يكون استعمال الحق تعسفياً وموجباً للمسؤولية والضمان إذا ثبت أن الهدف الوحيد أو الأساسي لصاحب الحق من تصرفه هو إلحاق الأذى والضرر بجاره أو خصمه، دون أن يحقق لنفسه أي مصلحة مادية أو أدبية مشروعية (مثل قيام الشخص ببناء جدار شاهق في ملكه بقصد حجب النور والهواء تماماً عن نافذة جاره دون أن يكون له غرض في البناء).

رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً جسيما المعيار الموضوعي

يعتبر الاستعمال تعسفياً إذا كانت المصلحة والفائدة التي يجنيها صاحب الحق من تصرفه تافهة وضئيلة جداً، بحيث لا تتناسب مطلقاً مع حجم الضرر الجسيم والمحقق الذي يلحق بالغير جراء هذا التصرف (مثل قيام شخص بحفر بئر ارتوازية في أرضه لا يحتاجها، مما يؤدي إلى جفاف بئر جاره التي تعتمد عليها أسرة كاملة في الشرب والزراعة).

عدم مشروعية الغرض والغاية

إذا كان صاحب الحق يستعمل حقه كوسيلة لتحقيق غاية أو غرض غير مشروع أو مخالف للنظام العام والآداب العامة في الجمهورية اليمنية (كاستعمال المالك لعقاره الخاص كأوكر لإدارة أعمال محظورة أو ترويج ممنوعات، متذرعاً بحق الملكية الخاصة الصائنة لعقاره).


النظرية العامة للإثبات وتوزيع عبء الدليل في القانون اليمني

إذا كانت القواعد الموضوعية في القانون المدني تبين حدود استعمال الحق، فإن قانون الإثبات اليمني النافذ رقم (21) لسنة 1992م وتعديلاته يمثل الجناح الإجرائي الذي يحمي هذه الحقوق عند النزاع؛ إذ إن الحق التجرد من الدليل يصبح والعدم سواء أمام منصه القضاء. ويرتكز الإثبات اليمني على قاعدتين أصوليتين:

قاعدة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر

أخذ المشرع اليمني بهذه القاعدة النبوية الشريفة كأصل عام لتوزيع عبء الإثبات؛ فالدائن أو المدعي الذي يطلب حكماً بحق معين (كالمطالبة بدين، أو إثبات ملكية عقار) يقع عليه عبء إثبات الواقعة القانونية المنشئة لهذا الحق. فإذا عجز عن تقديم البينة الشرعية، كان القول قول المدعى عليه (المنكر) بيمينه، لأن الأصل هو "براءة الذمة" وخلوها من الشواغل.

قاعدة المدعي هو من يتمسك بخلاف الوضع الظاهر أو الثابت أصلاً

المدعي في مفهوم قضاء الإثبات ليس فقط من يرفع الدعوى أولاً، بل هو كل من يتمسك في مواجهة خصمه بامر يخالف الوضع الظاهر المستقر أو الثابت يقيناً. فإذا أثبت الدائن وجود الدين بالبصيرة، يتحول عبء الإثبات تلقائياً إلى المدين؛ فيصبح المدين هنا "مدعياً" لواقعة انقضاء الدين (الوفاء أو الإبراء)، ويكون ملزماً بتقديم الدليل عليها، وإلا حُكم عليه بناءً على الأصل القائم.


طرق وأدلة الإثبات وحجيتها التشريعية في اليمن

حدد قانون الإثبات اليمني طرق الإثبات على سبيل الحصر، ورتب حجيتها القانونية في مواجهة الخصوم، وتُعد المحررات (الكتابة) على رأس هذه الأدلة:

المحررات الرسمية

هي الوثائق والمحررات التي يحررها أو يوثقها موظف عام مختص (مثل قضاة التوثيق، أو الموثقين بالمكتب العقاري، أو مسؤولي الأحوال المدنية) وفق الأوضاع القانونية. وتتمتع المحررات الرسمية بـ حجية في الاثبات بما دُوّن فيها من أفعال وتصريحات وقعت من الموظف أو أمامه.

المحررات العرفية

هي المحررات التي يكتبها الأفراد فيما بينهم أو يحررها الكتاب الأمناء. وتكون للمحرر العرفي حجية كاملة في الإثبات بين المتعاقدين بمجرد صحة التوقيع أو البصمة أو اعتراف الخصم بصدورها منه. وإذا أنكر الخصم خطه أو بصمته، تحيل المحكمة المحرر إلى الأدلة الجنائية لإجراء الفحص والمضاهاة الفنية لتحديد صحتها.

شهادة الشهود البينة الشفوية

تُعد شهادة الشهود الأداة الأوسع انتشاراً في النزاعات القبلية والعقارية في اليمن. وقد اشترط القانون اليمني شروطاً صارمة في الشاهد (كالعدالة، الأمانة، البلوغ، والقدرة على الرؤية والسماع)، وقرر أن الشهادة تُقبل في إثبات التصرفات القانونية غير المالية، أو المعاملات المالية التي لم يوجب القانون أو العرف إثباتها كتابة، أو عندما يوجد مانع مادي أو أدبي حال دون الحصول على دليل كتابي.


مبادئ المحكمة العليا اليمنية في استعمال وإثبات الحق

أرست الدوائر المدنية والتجارية بالمحكمة العليا في الجمهورية اليمنية قواعد حديدية استقرت عليها الأحكام لتوجيه محاكم الموضوع في قضايا التعسف وعدالة الإثبات، ومن أبرزها:

  • قاعدة "حظر هدم التصرفات الثابتة بالكتابة لغير المطاعن القانونية": استقرت مبادئ المحكمة العليا على أنه "لا يجوز إبطال أو دحض محرر رسمي أو عرفي مستوفٍ لشروطه الشرعية بناءً على شهادة شهود مجردة أو أقوال مرسلة"؛ فالكتابة لا تُهدم إلا بكتابة مثيل لها أو إقرار قضائي صريح، صوناً لاستقرار البصائر وعقود الملكية من تلاعب الشهود.
  • قاعدة "تكييف التعسف كخطأ مستوجب للضمان": قررت المحكمة العليا أن إثبات التعسف في استعمال الحق يقع على عاتق المضرور بكافة طرق الإثبات، ومتى ما ثبت للمحكمة انتفاء المصلحة وقصد الإضرار المحض، وجب على القاضي إلزام المتعسف بـ إزالة أعيان التعسف عيناً (كإلزام الجار بهدم البناء المانع للضوء) مع الحكم بالتعويض العادل عن الفترة السابقة.

خلاصة وتوصيات للمنظومة القضائية

إن إيجاد التوازن بين حرية استعمال الحق وصرامة قواعد إثباته يمثل معيار نضج العدالة. ونوصي القضاة في المحاكم الابتدائية بالاستخدام الإيجابي لسلطتهم التقديرية في تفعيل "المعاينة الميدانية" في نزاعات الجوار والعقارات للوقوف الفعلي على مظاهر التعسف في الاستعمال، وتسهيل إجراءات فحص الخطوط والتبصير الفني للمحررات العرفية اختصاراً لأمد التقاضي وحمايةً للحقوق من المماطلة المشوبة بالإنكار الكاذب.

author-img
المحامي عبدالرقيب القاضي

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent